loader

حقيقة المباهلة مع المولوي ثناء الله الأمْرِتْسَري

ملخَّص القضية:

المولوي الأمرتسري كان قد دُعي للمباهلة من قبل المسيح الموعود عليه السلام مع عدد من المشايخ أولا عام 1897 ولم يستجب وفرَّ منها، ثم اضطر لإعلان القبول بعد ذلك بخمس سنوات بضغط من زملائه، فلما قبلها المسيح الموعود عليه السلام فرَّ منها مرة أخرى. ثم لما رأى أن المسيح الموعود عليه السلام قد أنبأ مرارا عن قرب وفاته ابتداء من عام 1905 استغل الأمرتسري الفرصة وأعلن أنه يريد المبارزة مرة أخرى عام 1907 ولكن بأسلوب مراوغ يريد فيه أن يدعو هو على المسيح الموعود عليه السلام ولكن لا يدعو عليه المسيح الموعود من جانبه! وكان يستهدف من ذلك الاستفادة من موت المسيح الموعود الوشيك الذي أنبأ به بنفسه.

فمقابل هذه المراوغة أرسل له المسيح الموعود عليه السلام مسودة مباهلة في إعلان 15/4/1907 سماه "الحكم الأخير" -كما هي عادته في تسمية المباهلات – وكانت تتضمن دعاء بموت الكاذب في حياة الصادق ليوافق عليها الأمرتسري من طرفه ويضيف ما يشاء ثم ينشرها في جريدته، وأكَّد حضرته أن هذا دعاء وليس نبوءة. فرفض الأمرتسري هذا الاقتراح أيضا وذُعر منه وأخذ يبرر رفضه بقوله إن سنة الله أن يمدّ للكاذبين فيعيشوا بعد الصادقين ليزدادوا إثما، وقال إن مسيلمة مات بعد النبي صلى الله عليه وسلم! متجاهلا بذلك أن موت الكاذب في حياة الصادق هو في المباهلة فقط وليس عاما. فلما لم يوافق على دعاء المباهلة هذا لم تنعقد المباهلة وبالتالي فإن موت أو حياة أحدهما لم يعد مرتبطًا بهذا الدعاء.

وبسبب أنه رفض هذه المباهلة ولم يصبح واقعا تحت طائلتها فقد دعا المسيح الموعود عليه السلام دعوة عامة للمباهلة فيما يتعلق بآية الطاعون في 6/6 وكانت موجّهة إلى المشايخ المعارضين أيضا، وجدّد حضرته هذا الطلب في 11/7، أي بعد الدعوة الأولى بشهرين ثم ثلاثة تقريبًا، وخصّ الأمرتسريَّ في هذه الدعوة بذكر اسمه، ولكن الأمرتسري فرَّ مجددا كعادته. وبفراره المتكرر وتملُّصه من المباهلات أكد خوفه وذعره من عاقبة المباهلة، وهكذا برفضه دعوات المباهلة المتكررة لم يتعرض للعذاب المذكور في هذه الدعوات، إلا أنه مات وفق معيار قدّمه هو بذكر أمثلة بأن الكاذب يعيش ثم يموت بعد الصادق، وعليه فقد عاش الأمرتسري بعد وفاة المسيح الموعود عليه السلام ومات لاحقًا بعد أن رأى رقيّ الجماعة وازدهارها!

اعتراض: يدعي المعارضون أن المسيح الموعود عليه السلام باهل المولويَّ ثناءَ الله الأمْرِتْسَري من جانب واحد في إعلان 15 أبريل 1907 ودعا أن يُهلك اللهُ الكاذبَ في حياة الصادق، فلم يمض على دعائه إلا بضعة أشهر حتى هلك، وبموته شهِدَ على كذبه.

الرد:

كان المولوي ثناء الله الأمْرِتْسَري محرِّرًا مساعدًا في الجريدة الأسبوعية "أهل الحديث"، وكان معارضًا متحمسًا للمسيح الموعود عليه السلام مثل كثير من المشايخ المتعصبين المعاصرين له، ولم يَدَعْ فرصة لسبِّه تفلت منه.

سيدنا أحمد دعا المشايخ إلى المباهلة بمن فيهم ثناء الله الأمرتسري

وفي عام 1897م كتب المسيح الموعود عليه السلام كتابه "أنجام آتهم" (عاقبة آثم) توجّه فيه إلى بعض المشايخ المتعصبين في الهند الذين أطلقوا عليه اسم "المدعي الكاذب"، وتحداهم للدخول في المباهلة، وكان اسم المولوي ثناء الله ضمن القائمة التي تضم أسماء هؤلاء المشايخ المتعصبين. كان المسيح الموعود عليه السلام عندئذ قد بلغ من العمر 62 عاما؛ في حين كان المولوي الأمْرِتْسَري شابًّا عمره 29 عامًا.

ثناء الله الأمرتسري يتجاهل دعوة المباهلة ثم يبادر بدعوة المباهلة ويقبلها حضرته فورًا

تجاهَلَ المولوي الأمْرِتْسَري الدعوة التي وجهها سيدنا أحمد عليه السلام لمدة 5 سنوات، ولكنه في عام 1902م - ربما تحت ضغط من بعض زملائه - بادر وتحدى المسيح الموعود عليه السلام إلى المباهلة. وما إن تلقَّى حضرتُه إعلانَ المولوي الأمْرِتْسَري، حتى نشره مشفوعًا بقبول ما عرضه الأمرتسري وصرح حضرته فيه بقوله: "لقد اطلعت على إعلان المولوي ثناء الله الأمْرِتْسَري الذي يدعي فيه أن لديه رغبةً مخلصة في أن يدعو كلٌّ منا بأن يموت الكاذبُ منا في حياة الآخر." (إعجاز أحمدي، ص 14- الخزائن الروحانية؛ ج19، ص121)

تراجع الأمرتسري عن قبول التحدي

وكان المسيح الموعود عليه السلام يعرف طبيعـةَ المولوي الأمْرِتْسَري المتقلّبة غير المستقرة، فصرح بأن الأمْرِتْسَري قد قدَّم اقتراحًا جيدًا، ونأمل أن يظل متمسكا به (المرجع السابق). ثم أضاف: "إذا كان المولوي ثناء الله مخلصا في تحديه بأن يهلك الكاذبُ قبل الصادق.. فلسوف يموت ثناء الله أولا". (مجموعة الإعـلانات، ج3 ص578)

وعندئذ بادر المولوي الأمْرِتْسَري إلى التراجع السريع متعللا بقوله لي:
"لستُ نبيًّا ولا أدّعي مثلَك النبوة أو الرسالة أو البُنُوّة لله أو تلقِّي الوحي، ومن ثم لا أجرؤ على الدخول في مثل هذه المعركة. إن مؤدَّى اقتراحك هو أني لو مُتُّ قبلك فستعلنه كدليل على صدقك، وإذا مُتَّ أنت قبلي - وهو تخلص جيد - فمن ذا الذي سيذهب إلى قبرك ويحاسبك؟ هذا هو السبب في عرضك هذا الاقتراح السخيف. لكني متأسف بأني لا أجرؤ على هذا الأمر، ونقصُ شجاعتي هذا مصدر شرف لي وليس ذلّة لي." (إلهامات الميرزا، ص129)

وهكذا تراجَعَ الأمْرِتْسَري عن المضي في المباهلة التي أثارها بنفسه؛ ومن ثم فإن المباهلة التي قبِل بها المسيح الموعود عليه السلام في كتابه "إعجاز أحمدي".. أصبحت غيرَ ذات صلة.

الأمرتسري يتحدى من جديد ويقبل حضرته تحديه

إن تراجُع الأمْرِتْسَري عن تحديه أصبح مصدرَ إحراج لزملائه، وتعرَّضَ لنقدٍ قاسٍ منهم، مما دفعه في عام 1907 – أي بعد خمس سنوات أخرى مستغلا النبوءات العديدة التي أعلنها المسيح الموعود عليه السلام عن قرب وفاته - ليصدر تحديًا جديدًا يدعو فيه أبناءَ الجماعة الإسلامية الأحمدية ليتقدموا ومعهم سيدنا أحمد، فقال: "الذي تحدانا إلى المباهلة في كتابه "أنجام آتهم" أَرْغِموه على مواجهتي، لأن الأمر ما لم يُحسَم مع النبي، لا يمكن أن يكون كافيًا للأمة كلها." ("أهل الحديث" 29/3/1907م ص10 و19/ 04/ 1907 ص 1 و2)

وعندما قرأ المسيح الموعود عليه السلام تحديه الأخير، كتب محرِّرُ جريدة الجماعة الإسلامية الأحمدية "بدر" ليعلن:
"ليفرح المولوي ثناء الله بأن سيدنا الميرزا صاحب قد قَبِلَ تحديه. فعليه أن يعلن إعلانًا جادًّا بأن حضرة أحمد كاذبٌ في ادعائه، ثم ليَدْعُ ثناء الله بأنه إذا كان كاذبًا في قوله؛ فلتنـزل لعنة الله على الكاذب." (جريدة "بدر"، يوم 4/4/1907م)

تملص الأمرتسري مرة أخرى

لكن الأمْرِتْسَري تحوَّلَ عن موقفه مرة أخرى وأعلن موجهًا خطابه للمسيح الموعود عليه السلام: "إني لم أتَحدَّك للمباهلة، بل أعلنت استعدادي للحلف، ولكنك تسمّيه مباهلة، في حين أن المباهلة تتضمن أن يحلف الفريقان ضد بعضهما. لقد أعلنت استعدادي للحلف ولم أشرع في مباهلة.... إن القَسَم من جانب واحد شيء والمباهلة شيء آخر." (جريدة "أهل الحديث" ليوم 19/4/1907م)

إن اقتراح المولوي الأمْرِتْسَري هذا يعني أنه لم يُرِد من المسيح الموعود عليه السلام أن يدعو لنـزول اللعنة على المولوي الأمْرِتْسَري، في حين أنه نفسه مستعد لاستنـزال اللعنة من جانبه وحده على سيدنا أحمد! أي باختصار كانت خطته أن يستغل وفاة المسيح الموعود عليه السلام الوشيكة ليقول إنها كانت نتيجة دعائي، بينما كان يخاف من أن يباهل أو أن يدعو المسيح الموعود عليه السلام عليه فيموت هو قبل حضرته.
فالواقع أن الأمْرِتْسَري بتراجعه هذا قدّم مرة أخرى دليلاً على أنه يراوغ ويتهرب، بل دليلا على أنه يخاف نزول العذاب والهلاك عليه لما رأى من مصير من باهلهم حضرته من قبل. مع أنه بنفسه كان قد طلب من المسيح الموعود عليه السلام طلبًا صريحًا واضحًا كي تتم المواجهة بينهما، ولكن يبدو أن المواجهة كانت عنده مجرد أن يقبل المسيح الموعود عليه السلام أن يدعو الأمرتسري فقط من جانبه.

الحكم الأخير

وعندما لاحظ المسيح الموعود عليه السلام أن المولوي الأمْرِتْسَري كان يراوغ صرّح حضرته بإعلان يوم 15/4/1907م جاء فيه هذا الدعاء:

"فإن كنتُ كذابا ومفتريا كما تذكرني في معظم الأحيان في جريدتك فسأهلك في حياتك لأني أعلم أن عمر المفسد والكذاب لا يطول كثيرا، ويهلك خائبا وخاسرا في نهاية المطاف بالذلة والحسرة في حياة ألد أعدائه، وأن في هلاكه خيرا لئلا يُهلِك عبادَ الله. أما إن لم أكن كذابا ومفتريا وكنت أحظى بمكالمة الله ومخاطبته وكنت المسيحَ الموعود فإني آمل من فضل الله أنك لن تسلم من عقوبة المكذِّبين بحسب سنة الله. فإن لم تحلَّ بك في حياتي عقوبة لا تكون بيد إنسان، بل بيد الله تعالى مثل الطاعون، أو الهيضة أو ما شابههما فلست من الله تعالى. هذه ليست نبوءة بناء على إلهام أو وحي بل طلبتُ الحكم من الله بصورة الدعاء فقط. وأدعو الله تعالى أن يا ربي المالك البصير والقدير والخبير الذي يعلم ما في قلبي أنه إذا كان ادّعائي بأني المسيح الموعود افتراء محضا من نفسي وكنتُ مفسدا وكذابا في نظرك وكان الافتراء هو شغلي الشاغل ليل نهار، فأدعو في حضرتك يا مالكي وحبيبي بكل تواضع أن أهلِكْني في حياة الشيخ ثناء الله، وأفرِحْه وجماعته بموتي، آمين. ولكن يا ربي الكامل والصادق إن لم يكن الشيخ ثناء الله على الحق في التهم التي يُلصقها بي فأدعو في حضرتك بكل تواضع أن تهلكه في حياتي، ولكن لا بيد الإنسان بل بالطاعون والهيضة وغيرهما من الأمراض، إلا إذا تاب بصورة واضحة أمامي وأمام جماعتي من جميع الشتائم وبذاءة اللسان التي يؤذيني بها ظنا منه أن منصبه يوجبها عليه، آمين يا رب العالمين." (الحكم الأخير في الخلاف مع المولوي ثناء الله الأمْرِتْسَري، مجموعة الإعلانات ج3 ص 579)

أُرسلَ هذا الإعلان إلى المولوي الأمْرِتْسَري مع طلبٍ لنشره في جريدته "أهل الحديث"، واختتم المسيح الموعود عليه السلام الإعلان بتصريح يقول فيه:
"وأخيرا أرجو من المولوي ثناء الله أن ينشر تصريحي هذا في صحيفته "أهل الحديث"، ويعلّق في نهايته بما يشاء، ويترك الحكم لله تعالى." (المرجع السابق)

ولكن الأمرتسري رفض قبول هذا الإعلان الذي هو في الحقيقة دعاء مشروط بأن يقبله وينشره ويعلِّق عليه، وأخذ يراوغ ويتهرب كعادته، فنشر الإعلان في جريدته وعلَّق أنه يرفضه، وبذلك لم تعد المباهلة قائمة.

أدلة على رفض الأمرتسري الدخول في هذا الحكم الأخير بأعذار واهية

ردّ الأمرتسري على إعلان حضرته عليه السلام في جريدة "أهل الحديث" ليوم 26/4/1907م وإليكم صورته:

لقد تهرب الأمْرِتْسَري من هذا الدعاء الذي يعتبر مسودة للمباهلة قائلاً: إن مثل هذا القرار لن يكون مفيدًا ولا مقبولا له، حيث قال:

 

  1. "هذه الوثيقة غير مقبولة لدي، ولا يقبل أي إنسان عاقل الموافقة على مثل هذا التحدي. (جريدة "أهل الحديث" ليوم 26/4/1907م)
  2. 2- لم يقتصر الأمْرِتْسَري على رفض تحدي المسيح الموعود عليه السلام له والمشاركة في الدعاء، بل بلغ به خوفه من عواقب دعاء المسيح الموعود عليه السلام أن اشتكى متحججًا أنه لا يمكنه أن يدخل طرفًا في مثل هذا التحدي: "لأنه لم تؤخذ مني موافقةٌ على هذا الدعاء، ونُشر بدون موافقة مني." (المرجع السابق)
  3. كان الأمْرِتْسَري ولا ريب، خائفًا من موته ميتة لعينة لو تجاسر على دخول المباراة مع سيدنا أحمد.. حيث قال الأمرتسري للمسيح الموعود عليه السلام:
    "المباراة هي بيني وبينك، فإن متُّ فكيف يمكن أن يكون موتي آيةً للآخرين. تقول بأن المولوي دستغير القصوري والمولوي إسماعيل العليكرهي والدكتور دوئي الأمريكي وغيرهم قد ماتوا بنفس الطريقة؛ فهل آمَنَ بك الآخرون؟ وهكذا لو حدث هكذا هنا فما النفع في ذلك؟ (المرجع السابق) أي أن الأمرتسري قفز إلى أن القضية ليست مفيدة ولن تؤدي إلى إيمان الناس، وكأنه يستعطف حضرته لكي لا يقع تحت طائلة العقوبة.
  4. ثم قدّم الأمرتسري حجة أخرى لعدم قبول دعاء المسيح الموعود هذا ونتيجته فقال: لا يمكن أن يكون دعاؤك فيصلاً في حال من الأحوال، لأن المسلمين يعدّون الموت بالطاعون نوعًا من الاستشهاد في سبيل الله وفق الحديث النبوي الشريف، فكيف إذًا سيعدّون المطعون كاذبًا بناء على دعائك؟!
  5. ثم رفض الأمْرِتْسَري أن يكون مثل هذا الدعاء أمرًا فيصلاً، حيث ناشد الأحمديين قائلا: "أيها المرزائيون! كان سيدكم وأنتم تقولون أن مرزا بُعث على منهاج النبوة. فهل من نبي دعا المعارضين للفصل بهذه الطريقة؟ أخبِروا فتنالوا الجائزة، وإلا فاستحوا من ترديد منهاج النبوة. (المرجع السابق)
  6. أشار الأمرتسري إلى القول التالي لحضرته عليه السلام: "بما أن رسل الله تعالى يكونون رحماء وكرماء ويتمنون كل حين وآن أن لا يقع أحد في الهلاك والمصيبة"، ثم ناشد حضرتَه عليه السلام بعدم الدعاء بهلاكه قائلا: فلماذا تدعو من أجل هلاكي الآن؟؟!!
  7. وكتب نائب محرر جريدة الأمرتسري، بهامش ردّ الأمرتسري هذا، ما يلي:
    "يقول القرآن الكريم إن الله يمهل المجرمين. فمثلا يقول تعالى: مَن كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا (مريم: 76)، ويقول: إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمًا (آل عمران: 179)، ويقول: وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (البقرة: 16)، ويقول: بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاء وَآبَاءهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ (الأنبياء: 45). كل هذه الآيات تعني بوضوح أن الله يمهل ويمنح حياة طويلة للكذابين والخادعين ومعكِّري السلام والعصاة الفاسقين، كي تزداد آثامهم في فترة المهلة. فكيف إذن تقترح قاعدة بأن مثل هؤلاء الناس لا ينالون فسحة طويلة من العمر؟" (جريدة "أهل الحديث" ليوم 26/4/1907م)

 

طبيعة "الحكم الأخير"

إن إعلان المسيح الموعود عليه السلام بتاريخ 15/4/1907م كان عبارة عن "مسودة المباهلة" من جانب حضرته، كما كانت جملة "لعنة الله على الكاذبين" من قِبل النبي صلى الله عليه وسلم "مسودة المباهلة" لنصارى نجران. لكن النصارى هربوا من المواجهة فلم تتم المباهلة ولم يهلكوا. وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد قال: "والذي نفسي بيده ، إن الهلاك قد تدلى على أهل نجران، ولو لاعنوا لمسخوا قردة وخنازير، ولاضطرم عليهم الوادي ناراً، ولاستأصل الله نجران وأهله، حتى الطير على رؤوس الشجر، ولما حال الحول على النصارى كلهم حتى يهلكوا". (التفسير الكبير للرازي، تفسير الآية 62 من آل عمران). فلو قبِل النصارى دعوة المباهلة ونطقوا مثل النبي صلى الله عليه وسلم: "لعنة الله على الكاذبين" لهلك كل واحد منهم خلال سنة. كذلك نقول لو لم يهرب الأمرتسري من ميدان المباهلة مع المسيح الموعود عليه السلام ودعا الدعاء نفسه بحسب ما طلب منه حضرته لهلك الأمرتسري حتما. كما قد كتب ذلك سيدنا المسيح الموعود عليه السلام قبل هذا الإعلان المذكور بسنوات حيث قال: "إنْ استعد (ثناء الله) للتحدي بأن يموت الكاذب في حياة الصادق، لماتَ قبلي حتما." (إعجاز أحمدي الخزائن الروحانية مجلد 19 صفحة 121)

فكما صار هروب نصارى نجران حائلا دون ظهور "الحكم الإلهي عن طريق المباهلة" بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم، كذلك تمامًا فإن هروبَ الأمرتسري من الاشتراك في الدعاء صار حائلا دون هلاكه سريعا في حياة المسيح الموعود عليه السلام، فليس المسيح الموعود عليه السلام أكبر من النبي صلى الله عليه وسلم كما ليس الأمرتسري أكبر من نصارى نجران.

إثباتات أن إعلان "الحكم الأخير" كان مسودة المباهلة

اعترافات الأمرتسري:

  1. لقد كتب المولوي ثناء الله الأمرتسري وهو يتحدث عن إعلان "الحكم الأخير": "نشر كرشنا القادياني إعلان المباهلة معي في 15/4/1907." (مرقع قاديان يونيو 1908 صفحة 18)
  2. وقال عن إعلان "الحكم الأخير" نفسه: "لم يباهل المرزا أيَّ معارض بمثل هذه الصراحة، بل كان يتكلم عنهم بعبارات غامضة دومًا." (إعلان "وفاة مرزا قادياني ونتائجها" الناشر: ثناء الله 31/5/1908)
  3. لو لم يعدّ الأمرتسري "الحكم الأخير" إعلانًا للمباهلة لما كتب في جوابه: "لم يأخذ موافقتي على هذا الدعاء بل نشره دون موافقتي." ولما كتب أيضا: "لا أوافق على هذه العبارة، كما ليس في وسع أي عاقل أن يوافق عليها." (جريدة أهل الحديث 26/4/1907)، لأن الواضح أن الدعاء من جانب واحد فقط لا يحتاج إلى أي موافقة. إنما تثار قضية الموافقة وعدمِها في اعتباره دعاءَ المباهلة التي يشترك فيها الطرفان. ولقد أرسل إليه المسيح الموعود عليه السلام هذا النص لينشره في جريدته ويعلق عليه، وهذا ما فهمه إذ قال في الجواب: لا أوافق على هذه العبارة. وبالتالي لم تترتب عليه النتائج التي كانت منوطة بمشاركة الطرفين، لأنه إذا فات الشرط فات المشروط.
  4. كان الأمْرِتْسَري يرى "الحكم الأخير" مباهلة، ومن لأجل ذلك قال:
    "المباراة هي بيني وبينك، فإن متُّ فكيف يمكن أن يكون موتي آيةً للآخرين، في حين أنك تقول بأن المولوي دستغير القصوري والمولوي إسماعيل العليكرهي والدكتور دوئي الأمريكي وغيرهم قد ماتوا بنفس الطريقة؛ فهل آمَنَ بك الآخرون؟ وهكذا لو حدث هكذا هنا فما النفع في ذلك؟ (جريدة "أهل الحديث" ليوم 26/4/1907م)

    والمعلوم أن هؤلاء الثلاثة ماتوا في المباهلات مع المسيح الموعود عليه السلام وفقما كتب حضرته وأشار إليه الأمرتسري. فهو كان يعرف أن موته في إعلان الحكم الأخير هو من هذا القبيل، أي مباهلة كما كان مع المذكورين سابقا.
  5. يرى الأمرتسري أيضا أن الحكم الأخير هو المباهلة حصرا، حيث كتب:
    "قل للذين لا يقبلون أي دليل ولا يستوعبون أي كلام علمي: تعالوا واسمعوا الحكم الأخير أيضا، وهو أن ندعو أبناءنا وأبناءكم وبناتنا وبناتكم وإخوتنا وإخوتكم أي الأقارب، ثم نجعل بضراعةٍ اللعنةَ على الكاذبين؛ فسوف يُصدر الله الحكم بنفسه في هذه الدنيا حصرا." (التفسير الثَنائي تحت آية 61 من آل عمران)
    وعنوان هذا الإعلان هو "الحكم الأخير مع المولوي ثناء الله". (مجموعة إعلانات مجلد 3 صفحة 579 إعلان مكتوب في 15/4/1907).
  6. كان سيدنا المسيح الموعود عليه السلام هو الآخر يعدّه دعاء المباهلة حصرا، حيث قال: "المباهلة هي الحكم الأخير، فكان النبي صلى الله عليه وسلم أيضا قد دعا النصارى للمباهلة إلا أن أحدهم لم يتجرأ على قبولها." (بدر 17/5/1906 صفحة3)
    ولقد كتب حضرته عليه السلام: "إن الحل الأخير عند عدم التمكن من حسم النـزاع هو الحكم الإلهي، الذي يقال له المباهلة." (الإعلان بتاريخ 21/11/1898)
  7. لقد كتب المسيح الموعود عليه السلام في "الحكم الأخير" دعاء بأن يموت الكاذب في حياة الصادق، وكان يرى حضرته عليه السلام أن مثل هذا الأمر لا يتم إلا في المباهلة، فقد ردّ حضرته على تساؤل أن الكاذب لا بد أن يموت في حياة الصادق حتى ولو لم تكن هناك مباهلة، فقال عليه السلام: أين ورد أن الكاذب يموت في حياة الصادق؟ فأنا لم أكتب ذلك في أيٍّ من مؤلفاتي... إنما كتبت أن الكاذب من المباهلَين يهلك في حياة الصادق. فهل كان جميع أعداء النبي صلى الله عليه وسلم قد هلكوا في حياته؟ كلا بل عاش الألوف من أعدائه بعد وفاته صلى الله عليه وسلم. بيد أن الكاذب الذي يُقبل على المباهلة يموت حتما في حياة الصادق، وكذلك سيعيش معارضيّ بعد وفاتي... إنني أتعجب من سماع هذه الأقاويل، كيف يقدمون كلامنا محرفا ومقلوبا. فقد أحرزوا الكمال في التحريف حتى سبقوا اليهودَ. فهل مات جميع أعداء أي نبي أو ولي أو قطب أو غوث في حياته؟ كلا بل عاش المنافقون بعدهم، إنما الحق أن الكاذبين الذين يباهلون الصادق فهم يهلكون في حياة الصادق حتما. (الحكم 10/10/1907 صفحة 9)
  8. 8- في عنوان الإعلان "الحكم الأخير مع المولوي ثناء الله" (مجموعة إعلانات مجلد 3 صفحة 578 إعلان 15/4/1907) تدل لفظة "مع" صراحة على أن هذا ليس الدعاء من جانب واحد فقط، بل يقتضي موافقةَ الفريقين. فلو كان الدعاء من جانب واحد لكانت العبارة: "الحكم الأخير عن المولوي ثناء الله". فالقاضي حين يصدر الحكم فإنما يكون الحكم "عن زيد أو بكر"، أما إذا قلنا "إن زيدا حَكم مع بكر" فسيكون معناه أن الحكم صدر بموافقة زيد وبكر كليهما، وإذا كان أحد الفريقين غير موافق فلن يبقى الحكم صالحا. فلما لم يُبد الأمرتسري الموافقة على هذا الحكم وكتب: "لا أوافق على هذه العبارة، كما ليس في وسع أي عاقل أن يوافق عليها" (جريدة أهل الحديث 26/4/1907)، فلم يبق ذلك الدعاء "حُكْمًا".
  9. إن طلب حضرته عليه السلام من ثناء الله الأمرتسري عن إعلان "الحكم الأخير" أنْ: "اكتبْ تحته ما تريد" يفيد صراحة أن حضرته كان يعدّ "الحكم الأخير" مسودةً للمباهلة كاملةً إذا كتب ثناء الله أيضا موافقته تحته. فلو كان دعاء من جانب واحد فقط لما كان هناك سؤال أن يكتب ثناء الله تحته أم لا.
  10. وقول حضرته عليه السلام للأمرتسري: "انشرْ هذا الموضوع كله في جريدتك" (مجموعة إعلانات مجلد 3 صفحة 579 إعلان مكتوب في 15/4/1907) يثبت بوضوح أن حضرته كان يريد حصرا أن يجمع الأمرتسري بيده دعاءَ حضرته وموافقة الأمرتسري عليه كليهما في مكان، لكي تكتمل مسودة المباهلة ويترتب عليه هلاكُ الأمرتسري.
  11. لو كان هذا الدعاء قد أصبح ساريا بمجرد كتابته وإرساله إلى الأمرتسري، وأصبح الواجب فقط انتظار مصيره، لما دعا بعد ذلك حضرته الأمرتسريَّ مع غيره من المشايخ إلى قبول المباهلة حول آية الطاعون ووحي الله له "إني أحافظ كل من في دار"، إن الذي يقول عن وحيي هذا حالفًا بأنه افتراء مني على الله تعالى أو أنه سيظل محفوظا من الطاعون، فسيصيبه الطاعون قطعا. وكانت هذه الدعوة قد تكررت مرتين في 6/6 و في 11/7 أي بعد دعوة المباهلة للأمرتسري التي سميت "الحكم الأخير" والتي كانت في 15/4/1907 والتي سيأتي تفصيلها لاحقا.

رد سيدنا الخليفة الثاني رضي الله عنه:

لم يوافق ثناء الله الأمرتسري على دعاء المباهلة كما تقدّم، وتملص كل مرة من أن يكون طرفا فيه. ولكن لما توفّي المسيح الموعود عليه السلام أصبح يروّج الأمرتسري أن حضرته مات نتيجة المباهلة معه. فرد عليه الخليفة الثاني رضي الله عنه في أحد مقالاته نقتبس منه ما يلي. قال حضرته رضي الله عنه:

 

  1. كان هذا طريقًا للحُكم للتمييز بين الكاذبِ والصادق، ولم يكن الهدف من ورائه إلا أن يتميز الحق من الباطل بحيث تصل فئة من الناس إلى عمق الأحداث الحقيقية. وكان من مقتضى النُبل والبِرّ أن يقرأ المولوي ثناء الله هذا الدعاء وينشره في جريدته ويقول: نعم، إنني أقبل هذا الحكم. ولكن كما كتبتُ من قبل لم يكن يهم الأمرتسري إلا الاحتيال والمكر. ولو قبلَ لأظهر الله تعالى قدرتَه وذاق ثناء الله وبال بذاءة لسانه كلها، ولَعَلِمَ أن هناك ذاتا مقدسة تميز بين الصادقين والكاذبين، وأن من يقترف السيئة ويتخبّث ينال مغبة أعماله، وأن الشرير يُبطش بشرّه وخبثه. ولكن لما فعل عكس ذلك ورفض الحكم على هذا النحو أيضا وكتب أنه لا يوافق على هذا الحكم، فكيف يكون من العدل والإنصاف أن يدّعي اليوم بعد وفاة المسيح الموعود عليه السلام، أنه (عليه السلام) توفي نتيجة مباهلته معي، وأن هذا دليل على صدقي؟ (مجلة تشحيذ الأذهان، صفحة 59، عدد: شهر يونيو ويوليو عام 1908) )
  2. وقال حضرة الخليفة الثاني رضي الله عنه أيضا: "إنه يعتبر وفاة المسيح الموعود عليه السلام نتيجةَ دعائه ويعدّه دليلا على صدقه، على الرغم من إقراره أنه رفض قبول مثل هذا الدعاء من قبل. هل هو عاجز عن فهم أمر بسيط بأن المباهلة أو الدعاء كان من أجل التمييز بين الصادق والكاذب؟". (المرجع السابق ص 63)
  3. قال حضرته أيضا: "حينذاك أصابه رُعب الحق وسعى لينقذ نفسه من عذاب الله بشتى المكايد والحيل، ولكن لما أخذ العذاب صبغة أخرى بعد إنكاره المباهلة بدأ يردّد الحكم المنسوخ نفسه" (المرجع السابق، صفحة 64) وردًّا على طلب المرحوم الحافظ محمد حسين (أهل الحديث) من لاهور أدلى الخليفة الثاني رضي الله عنه البيان التالي المقرون بالحلف فقد جاء فيه:
    "أقول مشهدًا بالله وحالفًا به إنني على يقين تام أنه لو بارز المولويُّ ثناءُ الله المسيحَ الموعودَ عليه السلام بحسب الإعلان الذي نشره عليه السلام ضد المولوي ثناء الله في عام 1907م، لهلك المولوي ثناء الله حتما. وإنني واثق -كما قلت ذلك في مقال نشرتُه عند وفاة المسيح الموعود عليه السلام أيضا-من أن ما كتبه المسيح الموعود عليه السلام عن "الحكم الأخير مع المولوي ثناء الله" كان دعاءَ المباهلة. ولكن المولوي ثناء الله لم يدعُ مقابله عليه السلام بل رفض الحُكم بحسب ذلك الدعاء، فلم يتحول الدعاء إلى المباهلة، وبالتالي نجا المولوي ثناء الله من العذابَ إلى مدة من الزمن. وتشهد على ذلك عبارات وردت في كتابي "نور الصادقين" (لمرزا بشير الدين محمود أحمد، الخليفة الثاني للمسيح الموعود عليه السلام، الطبعة الأولى، بتاريخ 2/7/1908م)، وهي كما يلي: "فلما أخذ العذاب صبغة أخرى بعد إنكاره (أي إنكار ثناء الله) المباهلة بدأ يردد الحكم المنسوخ نفسه". "ولو فعل ذلك لأظهر اللهُ تعالى قدرتَه ولذاق ثناء الله وبال بذاءة لسانه كلها." (نور الصادقين ص 30) باختصار، إنني موقن منذ البداية أن دعاء المسيح الموعود عليه السلام كان دعاء المباهلة، ولكن لما أنكر المولوي (ثناء الله) قبوله لم يعد ذلك الدعاء مباهلة، وغيّر الله تعالى طريق العذاب". العبد المتواضع، مرزا محمود أحمد 16/3/1931م.

 

لم يكتمل التحدي فلم يعد الدعاء ساري المفعول

إذن، لم يكتمل التحدي ولم يوافق ثناء الله الأمرتسري على مسودة المباهلة هذه، بل رفض قبولها، فلم يعد هذا الدعاء ساريَ المفعول.

ومما يؤكد ذلك أن سيدنا أحمد عليه السلام كان قبل خمس سنوات من هذا الدعاء، قد أقر واشترط لموت الأمرتسري أن يُعلن استعداده له، ولكنه تهرب ولم يقبل هذا الدعاء، فقد قال حضرته عليه السلام في كتابه "إعجاز أحمدي":

"لو استعد (ثناء الله) للتحدي بأن يموت الكاذب في حياة الصادق، لمات قبلي حتما."
وهنا أيضا لم يرض الأمرتسري أن يكون طرفا في هذا الدعاء نفسه.

وأخيرا نلخص ردّ ثناء الله الأمرتسري وتعليق نائبه فيما يلي ليتضح للقراء موقفه أكثر.

  1. كان هذا الدعاء من سيدنا أحمد عليه السلام منوطا بموافقة الطرف الآخر ولم يكن من جهة واحدة، وإلا فلا معنى لقول ثناء الله الأمرتسري: "لم تؤخذ مني موافقةٌ على هذا الدعاء، كما أنه نُشر بدون موافقتي."
    ولا معنى لقوله: "هذه الوثيقة غير مقبولة لدي، ولا يقبل أي إنسان عاقل الموافقة على مثل هذا التحدي."
  2. لم يوافق عليه ثناء الله الأمرتسري وبالتالي لا يمكن أن تسند إليه أية نتائج في المستقبل.
  3. قدّم الأمرتسري حجة بأن مثل هذا الدعاء لن يكون مقبولا لديه ولا لدى المسلمين، وأن مثل هذا الأسلوب لم يتخذه الأنبياء تجاه معارضيه، وبالتالي فلن يكون مقبولا.
  4. طلب الأمرتسري من المسيح الموعود عليه السلام أن يكون رحيما وكريما حيث قال إن الرسل يكونون رحماء وكرماء، فلماذا يدعو لهلاكه.
  5. يظهر من شتى تصريحات الأمرتسري ومن تعليق نائب محرر جريدته أن الله يمهل المجرمين وتُمنح للكذابين والخادعين ومعكِّري السلام والعصاة الفاسقين حياة طويلة. وبالتالي رفضوا قاعدة هلاك الكاذب في حياة الصادق.

تصوروا! لو مات الأمرتسري بعد هذا البيان الذي نشره هل كان يحق لأي أحمدي أن يقول بأن المسيح الموعود عليه السلام قد دعا أن يهلك الكاذب في حياة الصادق فقد مات ثناء الله الأمرتسري واستجيب دعاء حضرته عليه السلام وتم الفصل وثبت أن الأمرتسري كان كاذبًا ملعونًا؟؟! كلا لو قال أحد كذلك لردّ عليه المعارضون بأنه كان يحق لكم أن تقولوا ذلك إن وافق عليه ثناء الله وقبِل هذا التحدي، فمادام الرجل نشر بيانه الذي صرّح فيه أنه لا يمكن أن يدخل طرفًا في مثل هذا التحدي لأنه لم تؤخذ منه الموافقة على مثل هذا الدعاء ونُشر هذا الدعاء بدون علمه، فكيف يمكن أن يكون عرضة لهذا الدعاء الذي لم يتفق عليه هو أصلا؟؟!

وبنفس الحجة نقول إن كان المسيح الموعود عليه السلام قد توفي بعد هذا التصريح الذي لم يوافق عليه الأمرتسري، فلا يمكن أن يُعتبَر حضرته عرضة لهذا الدعاء لأنه لم يتم الموافقة من الطرف الآخر على مبدأ أن يموت الكاذب في حياة الصادق، وبالتالي فإن موت أحدهما أو حياته لم يعد دليلا على صدق الآخر.

عاقبة الأمرتسري وعذابه وفق معياره

لقد نقلنا فيما سبق تعليق نائب محرر جريدة ثناء الله الأمرتسري على هامش ردّه على إعلان حضرته عليه السلام حيث كتب فيه:

"يقول القرآن الكريم إن الله يمهل المجرمين، فمثلا يقول تعالى: مَن كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا (مريم: 76)، ويقول: إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمًا (آل عمران: 179)، ويقول: وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (البقرة: 16)، ويقول: بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاء وَآبَاءهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ (الأنبياء: 45). كل هذه الآيات تعني بوضوح أن الله يمهل ويمنح حياة طويلة للكذابين والخادعين ومعكِّري السلام والعصاة الفاسقين، كي تزداد آثامهم في فترة المهلة. فكيف إذن تقترح قاعدة بأن مثل هؤلاء الناس لا ينالون فسحة طويلة من العمر؟" (جريدة "أهل الحديث" ليوم 26/4/1907م)

وحاوَلَ الأمْرِتْسَري لاحقًا أيضا أن يؤسس صحة اعتقاده هذا بأن الكاذبين - وليس الصادقين - هم الذين يمنحهم الله تعالى عمرًا أطول، مستشهِدًا بالتاريخ الإسلامي، فاحتج قائلا:

"على الرغم من أن النبي صلى الله عليه وسلم كان نبيًّا صادقًا من الله تعالى، وأن مسيلمة كان مدعيًا كاذبًا.. فإن هذا بَقِيَ حيًّا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، أو بعبارة أخرى: إن مسيلمة الكذاب مات بعد موت الصادق." ("مرقّع قادياني"، أغسطس/ آب 1907م)

فانظروا إلى قدر الله تعالى، فقد وقع الأمر بحسب شرط ثناء الله الأمرتسري الذي صرح به في تعليقات نقلناها آنفا. فمَنَحَ اللهُ سبحانه وتعالى الأمْرِتْسَريَّ فسحةً طويلة من العمر.. فعاش أربعين عامًا بعد وفاة سيدنا أحمد؛ ليشهد بعينه آياتِ صدقِ المسيح الموعود عليه السلام تترى وازدهار جماعته، وليشهد أيضا خيبةَ آماله عن إحباط دعوة المسيح الموعود عليه السلام.

لقد عاش الأمْرِتْسَري ليرى قومَه يهجرونه وينبذونه عندما استصدر مسلمو الهند من علماء مكة فتوى بكفر الأمرتسري وارتداده جاء فيها على لسان أحد علمائهم:

"هو ضال مخالف لما عليه أهل السنة والجماعة وأهل الحديث.... فلا يجوز الأخذ عنه والاقتداء به، ولا تقبل شهادته ولا نقله، ولا تصح إمامته، فإني أقمت عليه الحجة و(إن) أصرّ على مقالته فلا شك في كفره، فيجب اجتنابه واعتزاله وهجره وهجر واعتزال من جادل عنه." (فيصلة مكة ص 16)

لقد عاش الأمْرِتْسَري أيضا ليرى نفسه يتردى من الأرستقراطية إلى الفقر والعوز. رجل كان يظن بأنه يملك الملايين فإذا بيته يتعرض للنهب والحرق في المذابح الطائفية عند انقسام الهند وباكستان عام 1947م. (سيرت ثنائي)

وفَقَدَ ابنَه الوحيد "عطاء الله" الذي ذُبح بلا رحمة أمام عيني أبيه. ولم تفارقه آثارُ هذه المأساة بقية حياته. (مجلة "الاحتشام" بتاريخ 15/7/1962م)

والواقع أن هذه الوقائع كان لها وقع شديد على عقله، حتى إن الشخص الوحيد الذي سجَّل تاريخ حياته قال عن هذه الأحداث بأنها: "تسببت في موته موتًا سريعًا بائسًا." (سيرت ثنائي)

بعد الاطلاع على كل هذه التصريحات والبيانات لعل مجنونًا يمكنه القول بأن سيدنا أحمد عليه السلام توفي نتيجة دعوة المباهلة التي وجهها إلى ثناء الله الأمرتسري والتي ذكر فيها أن الكاذب يموت في حياة الصادق. بل إن حُقّ لأحد أن يعلن انتصاره فهو سيدنا أحمد عليه السلام الذي يمكنه القول بأن ثناء الله أُمهل وفق منطقه الذي ذكره في تصريحاته مع ذكر الأمثلة بأن الله يمهل المجرمين.

    

اعتراضات جديدة على هذه القضية والرد عليها:

الاعتراض الأول: قال أحد المعترضين: باهل الميرزا المولويَّ ثناءَ الله من جانب واحد في إعلان 15 أبريل ودعا أن يُهلك اللهُ الكاذبَ منا، فلم يمض على دعائه إلا بضعة أشهر حتى هلك، وبموته شهِدَ على كذبه.

الرد: كما تبين سابقا، فإن السطور السابقة لكفيلة بتفنيد هذا الزعم، فلم يكن الإعلان دعاءً من جانب واحد بل طُلب من ثناء الله الأمرتسري نشره في مجلته والتعليق عليه مضيفا ما يشاء لتنعقد المباهلة، فعلق الأمرتسري بالرفض أن يكون طرفًا في هذا التحدي والدعاء، وذكر أسبابًا شتى لعدم قبوله ذلك، أي أنه رفض المباهلة. لذا فلم يعد موت الأمرتسري في حياة المسيح الموعود عليه السلام يفيد شيئا ما دامت المباهلة لم تنعقد. وقد أكد المسيح الموعود عليه السلام بوضوح في نصِّ هذا الدعاء أنه دعاء وليس نبوءة؛ أي أنه معلق بشرط القبول من جانب الأمرتسري.

الاعتراض الثاني: حتى لو لم يقبل المولوي ثناء الله الأمرتسري الدعاء ولم تكن هنالك مباهلة كما تقولون، فقد قال مؤسس الجماعة في نصِّ هذا الدعاء أن الكاذب يهلك في حياة الصادق حتما ولا يمهله الله طويلا.. وإذا كنتم تقولون إن الأمر تحقق وفق معيار الشيخ ثناء الله، فلماذا يقبل الله معيار الشيخ ثناء الله ولم يقبل دعاء مؤسس الجماعة من جانبه؟ ألا يبدو من الدعاء أن الله أثبت كذب الميرزا بإهلاكه وفقا لمعياره هو في حياة ثناء الله الأمرتسري على كل حال.

الرد: ما جاء في الدعاء من أن الكاذب يموت في حياة الصادق ولا يمهله الله تعالى طويلا إنما كان خاصا فقط بحالة المباهلة، وهذا من الدلائل على أن الدعاء كان دعاء مباهلة كما قلنا وليس دعاء عاما. ومعلوم أن الأمر الطبيعي هو ألا يهلك أعداء الأنبياء كلهم في حياتهم، بل يبقى عدد كبير منهم أحيانا، ولكنهم يرون بأم أعينهم كيف ينصر الله النبي وجماعته بعد وفاته، ويقاسون الألم والقهر والغيظ لرؤية فشلهم الذريع. وقد ينـزل بهم العذاب أخيرا، ومنهم أيضا مَن يتوب.

وقد أكد المسيح الموعود عليه السلام هذا الأمر بنفسه ونفى أن يكون هلاك الكاذب في حياة الصادق قاعدة عامة وفي كل حال، وقد وضح ذلك في تلك الفترة التي كانت فيها هذه القضية ثائرة (10/10/1907)، لأن البعض قد فهم هذا الفهم الخاطئ حينها أيضا، فرد عليه حضرته عليه السلام قائلا:

"أين ورد أن الكاذب يموت في حياة الصادق؟ فأنا لم أكتب ذلك في أيٍّ من مؤلفاتي... إنما كتبت أن الكاذب من المباهلَين يهلك في حياة الصادق. فهل كان جميع أعداء النبي صلى الله عليه وسلم قد هلكوا في حياته؟ كلا بل عاش الألوف من أعدائه بعد وفاته صلى الله عليه وسلم. بيد أن الكاذب الذي يُقبل على المباهلة يموت حتما في حياة الصادق، وكذلك سيعيش معارضيّ بعد وفاتي... إنني أتعجب من سماع هذه الأقاويل، كيف يقدمون كلامنا محرفا ومقلوبا. فقد أحرزوا الكمال في التحريف حتى سبقوا اليهودَ. فهل مات جميع أعداء أي نبي أو ولي أو قطب أو غوث في حياته؟ كلا بل عاش المنافقون بعدهم، إنما الحق أن الكاذبين الذين يباهلون الصادق فهم يهلكون في حياة الصادق حتما." (الحكم 10/10/1907 صفحة 9)

فما دامت المباهلة لم تعقد لأن المولوي ثناء الله لم يوافق عليها، فلم يعد هذا الشرط قائما. بل لو مات الأمرتسري قبل المسيح الموعود عليه السلام لما جاز لنا أن نقول إنه مات بدعاء حضرته، لأنه ليس دعاء غير مشروط.

أما أن معيار الأمرتسري قد انطبق عليه وكان له ما أراد، فالمقصود أنه رفض معيار المباهلة الواضح الذي سيموت فيه الكاذب حتما في حياة الصادق، وقال إن الكاذبين كانوا يعيشون بعد الصادقين، فكان أفضل للأمرتسري لشقاوته لو مات في حياة المسيح الموعود ليثبت صدقه وفق معياره! فالمعيار الذي طرحه الأمرتسري صحيح خارج المباهلة وقد انطبق عليه، وهو المعيار نفسه الذي يؤكد عليه المسيح الموعود عليه السلام خارج المباهلة أيضا.

وبكلمات أخرى فإن المعيار الذي أطلقه الأمرتسري ليس معيارا خاصا به بل هو معيار المسيح الموعود نفسه حين يكون الأمر خارج المباهلة، وهو ما يدل عليه موافقة المسيح الموعود على هذا المعيار وفق النص أعلاه، وكل ما فعله الأمرتسري هو أنه اختار الدخول في هذا المعيار ورفض المعيار الأول المتعلق بالمباهلة، فجاء عقابه وفقا لما اختاره هو، ليثبِت الله تعالى للعالم كله أنه هو الكاذب والمسيح الموعود عليه السلام هو الصادق؛ فلا خصوصية للأمرتسري بهذا المعيار أصلا.

الاعتراض الثالث: قال أحد المعترضين: سمى مؤسس الجماعة إعلانه (أي إعلان 15 أبريل) بالحكم الأخير، ولا مجال لقول شيء بعده. وهذه هي الحقيقة فلم أعثر على أي عبارة له، ولا أي تعليق حتى توفي بعد سنة وشهر من ذلك.

الرد: إن لم يعثر المعترضون على أية عبارة لحضرته عليه السلام فيجب أن يقرّوا بتقصيرهم وجهلهم بل خطئهم بدلاً من أن يحمّلوا الآخرين وزر عدم مقدرتهم على البحث.

تعالوا نرَ هل كتب حضرته عليه السلام نصًّا أو عبارة بعد هذا أم لا؟

رأينا أن ثناء الله الأمرتسري تملص من الدخول في المباهلة بأعذار واهية، ولكن الله تعالى أراد أن يكشف احتياله وتملصه هذا مرة أخرى، وبيان ذلك أن المسيح الموعود عليه السلام نشر في 30 أبريل 1907 إعلانًا كان موجّهًا إلى المعارضين من المسلمين والآريين والمسيحيين قال فيه حضرته عليه السلام:

"تلقيت من الله تعالى في الزمن الأول الذي بدأ فيه الطاعون في البلاد إلهامًا: "إني أحافظ كل من في الدار"، أي سأحمي من الطاعون كل من يسكن في هذه الدار. وقد مضت إحدى عشرة سنة تقريبا على زمن تلقيت فيه هذا الإلهام، وقد مات بالطاعون مئات آلاف الناس منذ ذلك الوقت، ولكن حتى إذا دخل بيتنا كلب حُفظ من الطاعون. فما أعظمَ هذه المعجزةَ! ولكن للذين لا يُغلقون عيونهم. فإذا كان أحد يعتقد أن هذا من افتراء الإنسان أو ليس كلام الله فعليه أيضا أن ينشر افتراء مثله أو ينشر حالفا بالله بأن هذا ليس كلام الله، وإنني متأكد أن الله تعالى سيرد على تجاسره حتما في هذه الحالة. ولو سِرتم من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب لن تجدوا في العالم شخصًا طمأنه الله تعالى بالوحي بأن الطاعون لن يدخل بيته. يجب أن يرد على ذلك معارضونا من المسلمين والآريين والمسيحيين."

(الحكم، رقم15، مجلد11، 30/ 4/1907م، ص5، "بدر" رقم18، مجلد6، عدد2/ 5/1907، ص1)

وعندما لم يردّ أحد على هذا الإعلان نشره حضرته عليه السلام مرة ثانية موجّهًا فيه الكلام إلى ثناء الله الأمرتسري خاصة وإلى غيره من المعارضين عمومًا. وفيما يلي هذا الإعلان:

الإعلان، للمرة الثانية
{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ}

من المؤسف حقا أن معظم الناس في هذا البلد الذين يُدعَون مشايخ ويدّعون بتلقّي الوحي والإلهام عندما يُقرأ عليهم كلام الله يقولون إنه افتراء. وقد ألّفت كتاب "البراهين الأحمدية" لإتمام الحجة على أمثالهم. إلامَ يفعلون هكذا، فلكل حكْمٍ يوم محدد ولنـزول كل قضاء ليل معين. أقدم لهم هنا كلام الله على سبيل المثال، وأخاطب هنا خاصةً الشيخ أبا الوفاء ثناء الله الأمرتسري، والشيخ عبد الجبار، والشيخ عبد الواحد والشيخ عبد الحق الغزنوي ثم الأمرتسري، وجعفر زتلي والدكتور عبد الحكيم خان الجراح المساعد تراوي موظف ولاية بتياله. وذلك الكلام هو أن الله تعال خاطبني وقال: "إني أحافظ كل مَن في الدار وأحافظك خاصة." وترجمته بحسب تفهيم من الله هي: سأحافظ من الطاعون كل مَن كان في دارك، وسأحافظك بوجه خاص. فلا تزال هذه النبوءة تتحقق منذ أحد عشر عاما. وإنني أؤمن بكون هذا الكلام من عند الله تعالى كإيماني بكتب الله المقدسة وخاصة بالقرآن الكريم، وأشهد بأنه كلام الله تعالى. فإذا كان أحد من الأشخاص المذكورين أعلاه ومن كان على شاكلتهم يعتقد أنه افتراء الإنسان فعليه أن يقول حالفا إنه افتراء الإنسان وليس كلام الله، ولعنة الله على من افترى على الله، كذلك أقول أنا أيضا حالفا بالله إنه كلام الله، ولعنة الله على من افترى على الله. وآمل أن يحكم الله في الموضوع بهذه الطريقة...

سأرى الآن من يحلف بهدف التكذيب مقابل كتابتي هذه. ولكن من الضروري أنه إن كان المكذّب لا يعُدّه كلام الله فليعلن أنه أيضا سيُحفَظ من الطاعون وأنه أيضا تلقى إلهاما من الله، لينظر ما هو جزاء الافتراء. والسلام على من اتبع الهدى. الراقم: العبد المتواضع، ميرزا غلام أحمد.

("بدر" عدد6/ 6/1907م، ص4، مجموعة الإعلانات ج3 ص 581-582)

الطريق السهل للحكم

وقال أحد الإخوة للمسيح الموعود عليه السلام: لقد نُشر في الجرائد كلامكم: "إذا كان أحد من المكذبين يعتبر الوحي الإلهي الذي نشرتُه: "إني أحافظ كل من في الدار"، افتراءً مني، وهو يوقن بأني قد اخترعته من عند نفسي وأنه ليس كلام الله الذي نزل علي، وأن داري قد حُفظت ولا تزال تحفَظ على سبيل الصدفة فقط، فلينشرْ بعض هؤلاء المكذبين أيضًا إلهامًا مثله، عندها سيعلم سريعا ما هي نتيجة الافتراء."

وبعد قراءة هذه العبارة يقول بعض المعارضين إننا لسنا مفترين حتى نفتري على الله تعالى، فأنّى لنا أن ننشر إلهامًا مثله؟

فقال المسيح الموعود عليه السلام: هذا هو الأمر الذي نريد أن نفهّمهم بأنه لا يستطيع أحد أن ينجو بعد الافتراء على الله. فإن لم يكن هذا الكلام قد نزل عليّ من عند الله تعالى وكان افتراءً مني، فما كان الله ليحفظ داري بحسب هذا الكلام. فمادام هذا الكلام قد تحقق بكل وضوح وصراحة فأي شك بقي في قبوله؟ غير أنني قدمتُ للمعارضين طريقا آخر أيضا للحكم وهو أن الذي يعتقد منهم أن هذا الكلام افتراء الإنسان فيجب عليه أن يحلف بهذه الكلمات إنه افتراء الإنسان وليس كلام الله، ولعنة الله على من كذّب وحي الله. فلو أقسم أحد على هذا النحو لأظهر الله تعالى نتيجة حلفه هذا. يجب على الشيخ ثناء الله وجعفر زتلي اللاهوري والدكتور عبد الحكيم والسادة الغزنويين أن يتوجهوا إلى هذا الأمر سريعا. (جريدة بدر، 11/ 7/1907 مجموعة الإعلانات ج3 ص 582)

ولقد خاطب حضرته عليه السلام في هذا الإعلان والتصريح المولوي ثناء الله الأمرتسري خاصةً وقدّم له طريقًا سهلا للحكم.

فإن كان حضرته عليه السلام يعتبر دعاءه السابق (المنشور في الإعلان بعنوان الحكم الأخير مع ثناء الله الأمرتسري) ساريَ المفعول وكان يعدّه الحكم الأخير رغم إنكار الأمرتسري ورفضه في الدخول فيه، لما قدّم حضرته للأمرتسري هنا طريقا سهلا آخر للحكم.

ثم ما هو الطريق الآخر للحكم؟ هو المباهلة بعينها مرة أخرى. ماذا قدّم له حضرته؟ طلب منه أن يقول بأن وعد الله تعالى بحفظ حضرته وكل من في الدار من الطاعون هو افتراء، فقد قال حضرته عليه السلام: "يقول حالفا بأنه افتراء الإنسان وليس كلام الله، ولعنة الله على من افترى على الله، كذلك أقول أنا أيضا حالفا بالله بأنه كلام الله، ولعنة الله على من افترى على الله. وآمل أن يحكم الله في الموضوع بهذه الطريقة."

متى كان ذلك؟

كان ذلك في 6 يونيو و11 يوليو، أي بعد إعلان 15 أبريل بشهر ونصف إلى شهرين تقريبا.
وكتب عليه السلام في الأخير: "وآمل أن يحكم الله في الموضوع بهذه الطريقة."
إذًا قدّم حضرته عليه السلام طريقًا آخر للحكم بعد رفض ثناء الله الأمرتسري طريق الدعاء السابق.
ولكن مع الأسف لم يتشجع الأمرتسري لقبول هذا الطريق أيضا.
إذن فقد كانت هنالك أمور بعد هذا الحكم الأخير الذي لم يكتمل بسبب هروب الأمرتسري، بل واصل المسيح الموعود عليه السلام الدعوة للمباهلة للأمرتسري وغيره بكل شجاعة، وواصل الأمرتسري ذعره وهروبه إلى أخر لحظة.

الاعتراض الرابع: ليس من المفروض أن يقبل الطرف الثاني هذا التحدي أو المباهلة لكي تستمر. وقد حدث أن قام أحد المشايخ وهو غلام دستغير القصوري بمباهلة المسيح الموعود من طرف واحد ثم مات إثر مباهلته هذه.

الردّ: نعم، يمكن أحيانا أن يعلن أحد المباهلة على أحد، ويدعو من جانب واحد، بشرط أن لا يرفض الطرف الآخر، وهكذا عدم رفضه المباهلة بعد إعلامه يُعَدّ نوعًا من القبول، وحينها تصبح هذه المباهلة معيارا لصدق من أطلقها، إذ لو دعا بأن يهلك الصادق في حياة الكاذب من طرفه فقط خلال سنة أو أي مدة أخرى يحددها فعندها إذا مات الطرف الثاني خلال هذه المدة سيثبت صدقه، وإذا لم يمت فسيثبت كذبه. ولكن ما مدى انطباق ذلك على حالة الأمرتسري؟ الأمرتسري لم يدعُ للمباهلة من جانب واحد، بل كان يتهرب من دعوة المسيح عليه السلام في كل مرة كما رأينا، ثم عندما كان يدعو المسيحَ الموعود إليها كان حضرته عليه السلام يقبل فيتراجع الأمرتسري. وقد أثبتنا أيضا سابقا أن المسيح الموعود عليه السلام لم يَدْعُه للمباهلة من طرف واحد أيضا، بل أرسل له مسودة مباهلة ليقبل بها وينشرها في جريدته ويضيف إليها لتصبح سارية المفعول فأعلن ثناء الله رفضه للتحدي والمباهلة. فهنالك فرق كبير بين الرفض في حالة الأمرتسري وعدم إعلان الرفض من قبل المسيح الموعود في مباهلة غلام دستغير القصوري؛ وهذا الفرق هو ما يجعل مباهلة القصوري سارية المفعول، في الوقت الذي لم يعد فيه تحدي الأمرتسري ومباهلته سارية للمفعول بسبب رفضه أن يكون طرفًا فيه. لقد دعا دستغير القصوري للمباهلة ومات وفقا لشرطه بأن يموت الكاذب في حياة الصادق، ولم يعلن المسيح الموعود عليه السلام رفضه لهذه المباهلة وكان موته دليل كذبه وصدقِ المسيح الموعود عليه السلام. كذلك فيما لو لم يمت هو أو لم يمت المسيح الموعود عليه السلام خلال مدة العام التي اشترطها فهذا دليل كذبه أيضا.

الاعتراض الخامس: لا نصّ ولا إعلان للمسيح الموعود يقبل فيه المعيار الجديد الذي وضعه ثناء الله، وهو أن الصادق يموت في حياة الكاذب.

الرد: نقول أولا، مادام ثناء الله لم يقبل الدخول في هذا التحدي الذي يعدّ مسودة للمباهلة فلم تقع المباهلة، ولم يعد التحدي ساري المفعول. الآن لا حجة لأحد سواء مات الصادق في حياة الكاذب أو الكاذب في حياة الصادق لأنه لم يتم الاتفاق على التحدي. فإن لم نجد نصًّا قبِل فيه حضرته هذا المعيار الجديد فلا نجد نصًّا أيضا بأنه رفضه مثلما رفض ثناء الله تحدي حضرته. فإن مثل هذا المعيار يلزم صاحبه إن لم يتم رفضه من الطرف الآخر مثلما تعرض غلام دستغير القصوري للعقاب بعد دعوته للمباهلة لحضرته وعدم رفض حضرته هذه الدعوة. ثانيًا:

إن موافقة المسيح الموعود عليه السلام على مثل هذا المعيار الجديد الذي أقرّه الأمرتسري، تُفهم ضمنا من كلامه الوارد في جريدة الحكم، في ردّه على سؤال متعلق بهذه القضية، حيث جاء:

عرض أحد أفراد الجماعة سؤال شخص غير أحمدي أنه مكتوب في كتبكم أن الكاذب يهلك في حياة الصادق، ولكن هذا ليس صحيحا لأن مسيلمة الكذاب مات بعد النبي صلى الله عليه وسلم. فقال المسيح الموعود - عليه السلام -: أين ورد أن الكاذب يموت في حياة الصادق؟ لم أكتب ذلك في كتبي. قدّموا لي في أيّ كتاب كتبتُ ذلك. لقد كتبتُ أن الكاذب من المباهلَين يهلك في حياة الصادق. أما مسيلمة الكذاب فلم يباهل أصلا. لقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - له أنك لو عشتَ بعدي لقُتلتَ، وهذا ما حصل بالضبط إذ قد قُتل مسيلمة الكذاب بعد مدة وجيزة وتحققت النبوءة. ( جريدة الحكم 10-10-1907)

هذا هو النصّ أو الإعلان الذي ينفي البعض وجوده.

ووفق هذا النصّ ينفي المسيح الموعود عليه السلام معيار أن يموت الكاذب في حياة الصادق في غير المباهلة! فلسان حاله عليه السلام يقول: صحيح ما يقوله ثناء الله، فليس بالضرورة أن يموت الكاذب في حياة الصادق ولكن في غير المباهلة فقط، وبما أن دعائي عليه ومباهلتي له لم تكتمل لرفضه إياها فليس بالضرورة أن يموت هو في حياتي.


 

أخبار الجماعة

خطب الجمعة الأخيرة